المركز الوطني للتوثيق: قاعدة المعطيات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية

الصفحة الاساسية > القطاع العمومي > الخوصصة > التخصيص .. الملاذ الأخير للاقتصادات العربية

التخصيص .. الملاذ الأخير للاقتصادات العربية

الثلثاء 29 آذار (مارس) 2005, بقلم المركز المتعدد الوسائط


انطلقت الدعوة الحديثة إلي التخصيص فى مطلع الثمانينات الميلادية مع ظهور حكومة جديدة لحزب المحافظين فى بريطانيا برئاسة مارجريت ثاتشر. وارتكزت هذه الدعوة علي عدد من المبادئ الأساسية منها أن مهمة الحكومة هى أن تحكم، أى أن تمارس سلطات السيادة فى الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، دون أن تتدخل فى مجال الأعمال المتمثل فى توفير السلع والخدمات اللازمة للمجتمع. بمعني آخر فإن مهمة الدولة يجب أن تقتصر علي التتأكد من أن الملعب مجهز تجهيزاً جيداً وأن ساحته مستوية وخالية من الوهاد والهضاب، وأن تتأكد من صحة موقع المرمي ودقة أبعاده، ثم أن تتخذ موقعها فى وسط الملعب لا كأحد اللاعبين وإنما كحكم منصف يلجأ إليه الجميع للرأى والقرار.

والواقع أن أفضل الحكومات إدارة وكفاءة فنية غالباً ما تكون أقل قدرة علي إدارة الأعمال من المديرين الفنيين المسؤولين المتخصصين فى قطاع الأعمال، إذ أن طبيعة مجال الأعمال تتمثل فى ممارسة النشاط الاقتصادى فى الاستثمار والصناعة وتأمين الخدمات وغير ذلك محكومة بمبادئ المنافسة والربحية والحوافز. أما مهمة الدولة فينبغى أن تتركز فى العمل علي إتاحة الفرصة أمام المستثمر لممارسة نشاطه الاقتصادى ضمن أجواء تضمن له الاطمئنان علي سلامة استثماره بعيداً عن مخاوف التأميم أو المصادرة أو القرارات التعسفية، وأن تيسر له سبل تحقيق أرباح عادلة فى مجال تنافسى واسع يفتح أبواب الاختيار بين الاستخدامات المختلفة لرأس المال، ويمنع الاحتكار والاستغلال والتدليس، أى باختصار توفير ما يسمي بجو الثقة، تلك الكلمة الصغيرة فى حجمها، الكبيرة فى معناها ومضمونها، فإذا توافرت تلك الأجواء كان علي القطاع الخاص أن يمارس هذا الدور وأن يتكفل بإيجاد الجهاز الإدارى القادر علي تسيير دفة الأمور بالشكل الذى يعود عليه وعلي مجتمعه بأكبر قدر ممكن من النفع والفائدة. لقد عانت كثير من الدول، خاصة فى العالم الثالث، من تسلطت البيروقراطية الحكومية علي النشاطات الاقتصادية فى الدولة وقدرتها علي إخفاء ضعفها الإدارى وفسادها الخلقى خلف ستار السلطات الاحتكارية أو الحواجز المصطنعة أو الحرص علي مصالح الضعفاء وانعكس ذلك فى رداءة منتجاتها وسوء إدارتها وانخفاض فعاليتها فكانت وبالاً علي مجتمعاتها وأصبحت عبئاً ثقيلاً ترزح تحت كاهله شعوبها ولم يتضرر منها أحد أكثر مما تضرر الضعفاء.

ولقد وجدت دعوة التخصيص صداها فى مختلف أنحاء العالم. وكان الشاهد الأكبر علي انهيار مبادئ التخطيط المركزى الشامل وسيطرة الدولة علي وسائل الإنتاج هو إنهيار النظام الشيوعى فى الاتحاد السوفييتى وأوروبا الشرقية. أما فى الوطن العربى، وبالرغم من أن أصداء هذه الدعوة جاءت متأخرة فى كثير من الحالات، إلا أننا نجد أن الاتجاه نحو التخصيص قد سار شوطاً بعيداً فى المغرب وتونس وجمهورية مصر العربية والأردن واليمن، كما أن دول الخليج العربية وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية قد أخذت تسير فى الاتجاه نفسه بخطي ملموسة؛ علماً بأن نقطة الانطلاق لديها كانت أكثر تقدماً نظراً لأنها بدأت من قاعدة الاقتصاد الحر ومبادئه. وما زال الاتجاه نحو التخصيص محدوداً فى بعض الدول العربية مثل العراق وسوريا وليبيا والجزائر مع أن هذه الأخيرة قد بدأت فى اتخاذ خطوات هامة فى هذا المجال. ولقد كان من الطبيعى أن يحظي القطاع الصناعى والزراعى والإنتاجى والمصرفى بالاهتمام الأول فى برامج التخصيص لدي جميع هذه الدول، ولذلك فإننا نجد أن قطاع الإعلام والثقافة ما زال يخضع فى معظم الحالات للإدارة الحكومية، وهو أمر مرتبط إلي حدٍ كبير بالتطور السياسى فى البلاد العربية حيث ما زالت الأنظمة الحاكمة مسيطرة علي النشاط السياسى وهى بالتالى أقل استعداداً للتخلى عن السيطرة علي وسائل الإعلام باعتبارها جزءاً من أجهزة السلطة السياسية.

ولكن عوامل التحركات العالمية والانفتاح الإعلامى والثقافى الكونى سوف تعرض كل الحكومات العربية إلي مزيد من الضغط للاتجاه نحو التخصيص فى قطاع الإعلام والثقافة، ذلك أن روح العصر الحديث بما تحمله من ضرورة مواكبة الإيقاع السريع للأحداث، والإدارة الفعالة للموارد، والاستجابة للتطورات التقنية المتسارعة، والمنافسة علي اجتذاب أفئدة وأهواء المتلقين؛ كل هذه العناصر تصطدم اصطداماً مباشراً مع جوهر الإدارة الحكومية الذى يتسم بالبطء والرتابة والبُعد عن المخاطرة وتشابك السلطات والاستسلام للبدائل السهلة التى غالباً ما تكون سلبية، خاصة فى ظل ازدياد الضغوط علي الميزانية العامة وعدم قدرة الإنفاق الحكومى علي توجيه قدر كافٍ ومتنامٍ من الأموال لمواجهة الاحتياجات الخاصة بهذا النشاط، فضلاً عن أن وجود البدائل الثقافية المتمثلة فى القنوات التلفزيونية ووسائل النشر الخاصة يؤدى إلي منافسة غير متكافئة تجتذب المبدعين والفنانين والكُتّاب والأدباء بعيداً عن مجال الإدارة الحكومية، والأمثلة علي ذلك كثيرة ومتعددة.

إن تخلف الحكومات العربية عن مواجهة هذه الحقائق، ومحاولة بعضها للسعى إلي الحلول الوسط مثل إنشاء المؤسسات الحكومية العامة أو العمل علي ما يسمي بتخصيص الإدارة؛ سوف يؤدى فى نهاية الأمر إلي زيادة الفجوة بين أجهزة الإعلام والثقافة الحكومية وبين عموم المواطنين مما يتناقض مع الأهداف التى كانت هذه الأجهزة تسعي إلي تحقيقها.

أما البديل فيتمثل فى أن تسعي الدولة إلي التخلص من دورها كمنفذ للنشاط الإعلامى والثقافى، وأن تعمل فى الوقت نفسه علي تنمية دورها وقدراتها كمنظم لهذا النشاط ومشرع له. إن المعادلة التى تحكم فعالية النشاط الاقتصادى فى المصانع والمزارع وقنوات الإنتاج هى نفسها التى تحكم فعالية النشاط الإنتاجى فى مجالات الفكر والثقافة. وهذه المعادلة تنطلق أساساً من ضرورة توافر الإدارة الفعالة والتوازن الاقتصادى، وهى يمكن أن تسير تحت مظلة تشريعات واضحة تسيطر علي الأهداف دون أن تقنن الوسائل، وتحمى الأسس والقواعد الفكرية والثقافية للمجتمع دون أن تتطرق إلي التفاصيل والأمور الجانبية. إن استكمال التوجه إلي التخصيص سوف يؤدى إلي وجود قنوات فاعلة للنشاط الثقافى بمختلف فنونه وفروعه وسوف يعمل علي ربط هذا النشاط بأوجه النشاط الاقتصادى بطريقة تضمن له التمويل والاستمرارية. ولا شك أن هذه المعادلة لا تلغى من الحسبان دور الدولة أو الجهات الأكاديمية أو العلمية أو المنظمات المتخصصة فى تمويل فعاليات معينة لضمان وجود صوتها واستمراره، وهذا الأمر يمكن أن يتحقق عن طريق قناتين رئيسيتين؛ الأولي هى إيجاد قدر أكبر من الترابط بين مراكز الفكر والإبداع وبين مؤسسات الأعمال والاقتصاد، والثانية هى إيجاد النظام الضريبى الذى يتيح الفرصة أمام من يرغب فى تحويل جزء من التزامه الضريبى نحو تمويل نشاط ترتأى الدولة ومؤسساتها الوطنية ضرورة دعمه وإسناده أن يفعل ذلك. وخلاصة القول فى هذا الشأن؛ إن عدم التمكن من تطوير المؤسسات والأنظمة فى الوقت المناسب سوف يكبل التطور التعليمى والتقنى والثقافى فى الوطن العربى، كما أن الاستمرار فى وجود مجالات اقتصادية مهمة محتكرة من قبل القطاع العام فى المجالات الإنتاجية والتجارية والخدمية؛ سيجعل من مواكبة العولمة الاقتصادية أمراً عسيراً وسيؤدى فى نهاية الأمر إلي توسيع الهوة بين متطلبات هذه المواكبة وبين الواقع المؤسسى والتنظيمى والثقافى فى الوطن العربى.

$ أمين محافظة جدة - المملكة العربية السعودية - عن محاضرة ألقيت بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض فى 25 مارس 2001م "بإذن من المحاضر".

http://www.ecoworld-mag.com


متابعة نشاط الموقع RSS 2.0 | خريطة الموقع | المجال الخاص | SPIP | صفحة نموذجية